عبد الملك الجويني

258

نهاية المطلب في دراية المذهب

998 - ونقل بعض الناس من مذهب أبي حنيفة ( 1 ) أن الترتيب ليس بمستحق ، وهذا غير صحيح من مذهبه ، ولكنه يقول : لو ترك أربع سجدات من أربع ركعات ، فأعمال الركعات محسوبة ، وعلى من ترك السجدات الأربع أن يأتي بأربع سجدات وِلاء في آخر الصلاة ، فإذا فعل ذلك ، انجبر النقصان ، وانقطعت السجدات على مواقعها . وحقيقة مذهبه أن يقول : إذا أتى في كل ركعة بسجدة واحدة ، فقد تقيدت كل ركعة بسجدة ، والركعة المتقيدة بسجدة في حكم ركعة تامة عنده ، ولو أخَّر أربع سجدات قصداً من الركعات ، فإنه يأتي بها وِلاء عنده في آخر الصلاة ، وتصح الصلاة . ولو أخلى الركعات عن السجدات كلها ، فإن كان ذلك عمداً ، بطلت صلاته ، وإن كان سهواً ، لم يعتد بشيء من أعمال تلك الركعات ، ومذهبه كمذهبنا في هذه الصورة . وكذلك لو أخلى كل ركعة عن ركوعها ، أو قراءتها ، فهذا عمدُه مبطل ، وسهوه مقتضٍ ألا يحتسب بما يأتي به على خلاف الترتيب ، كل هذا مما وافقنا فيه . فخرج عن مجموع ما ذكرناه أن الترتيب مستحق بالاتفاق ، فليقع التعويل في الدليل على اشتراط الترتيب بالإجماع . وما ذكره أبو حنيفة في إخلاء كل ركعة عن سجدة واحدة ، لم يذكره ، لأنه لا يراعي الترتيب ، ولكنه اعتقد أن الركعة إذا تقيدت بسجدة ، كانت في حكم الركعة التامة ، وهذا زلل بيّن ؛ فإن الركعة لو تمت ، لما وجب تدارك السجدة المتروكة ، وأنزلت الركعة المقيّدة بسجدة منزلةَ الركعة التي تدارَك المسبوقُ فيها إمامَه في الركوع ؛ فإنها محسوبة ، وإن لم يجر فيها القيام على ما يجب عند التمكن . فقد تمهد إذن ادعاء الإجماع في اشتراط الترتيب ، وحُمل مذهب أبي حنيفة في ترك أربع سجدات من أربع ركعات على أمر تخيله في تمام كل ركعة واستقلالها بالسجدات المفردات .

--> ( 1 ) ر . مختصر الطحاوي : 30 ، بدائع الصنائع : 1 / 167 ، 168 ، تحفة الفقهاء : 1 / 392 ، مختصر اختلاف العلماء : 1 / 281 مسألة : 236 ، حاشية ابن عابدين : 1 / 309 ، 310 .